فصل: تفسير الآية رقم (206)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الجلالين ***


تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا إنّ محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً نزل‏:‏ ‏{‏مَا‏}‏ شرطية ‏{‏نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ‏}‏ أي‏:‏ نُزِلْ حكمها إما مع لفظها أو لا وفي قراءة بضم النون من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها ‏{‏أَوْ ننسها‏}‏ نؤخرها فلانَزِلَ حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وفي قراءة بلا همز من النسيان‏:‏ أي نُنْسِكها، أي نمحها من قلبك، وجواب الشرط ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا‏}‏ أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر ‏{‏أَوْ مِثْلِهَا‏}‏ في التكليف والثواب‏.‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ ومنه النسخ والتبديل والاستفهام للتقرير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض‏}‏ يفعل فيهما ما يشاء ‏{‏وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله‏}‏ أي غيره ‏{‏مِنْ‏}‏ زائدة ‏{‏وَلِيُّ‏}‏ يحفظكم ‏{‏وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ يمنع عذابه عنكم إن أتاكم‏؟‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏108‏)‏‏}‏

ونزل لما سأله أهل مكة أن يُوسِّعها ويجعل الصفا ذهباً ‏{‏أَمْ‏}‏ بل أ ‏{‏تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى‏}‏ أي سأله قومه ‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ من قولهم ‏(‏أرنا الله جهرة‏)‏ وغير ذلك ‏{‏وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان‏}‏ أي يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل‏}‏ أخطأ الطريق الحق ‏(‏والسواء‏)‏ في الأصل الوسط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ‏}‏ مصدرية ‏{‏يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا‏}‏ مفعول له كائناً ‏{‏مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ أي حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة ‏{‏مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ‏}‏ في التوراة ‏{‏الحق‏}‏ في شأن النبيّ ‏{‏فاعفوا‏}‏ عنهم أي اتركوهم ‏{‏واصفحوا‏}‏ أعرضوا فلا تجازوهم ‏{‏حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ‏}‏ فيهم من القتال ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ‏}‏ طاعة كصلة وصدقة ‏{‏تَجِدُوهُ‏}‏ أي ثوابه ‏{‏عِندَ الله إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فيجازيكم به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا‏}‏ جمع ‏(‏هائد‏)‏ ‏{‏أَوْ نصارى‏}‏ قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم أي قال اليهود لن يدخلها إلا اليهود وقال النصارى لن يدخلها إلا النصارى ‏{‏تِلْكَ‏}‏ القولة ‏{‏أَمَانِيُّهُمْ‏}‏ شهواتهم الباطلة ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏هَاتُواْ برهانكم‏}‏ حجتكم على ذلك ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏

‏{‏بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏بلى‏}‏ يدخل الجنة غيرهم ‏{‏مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ أي انقاد لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى ‏{‏وَهُوَ مُحْسِنٌ‏}‏ موحد ‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ‏}‏ أي ثواب عمله الجنة ‏{‏وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏113‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَئ‏}‏ معتدّ به وكفرت بعيسى ‏{‏وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَئ‏}‏ معتدّ به وكفرت بموسى ‏{‏وَهُمْ‏}‏ أي الفريقان ‏{‏يَتْلُونَ الكتاب‏}‏ المنزل عليهم وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال ‏{‏كذلك‏}‏ كما قال هؤلاء ‏{‏قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي المشركون من العرب وغيرهم ‏{‏مِّثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏ بيان لمعنى ‏(‏ذلك‏)‏ أي قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء ‏{‏فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ من أمر الدين فيدخل المحق الجنة والمبطل النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏114‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏114‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ‏}‏ أي لا أحد أظلم ‏{‏مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه‏}‏ بالصلاة والتسبيح ‏{‏وسعى فِى خَرَابِهَا‏}‏ بالهدم أو التعطيل، نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس أو في المشركين لما صدّوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت ‏{‏أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ‏}‏ خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمناً ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ هوان بالقتل والسبي والجزية ‏{‏وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ هو النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏‏}‏

ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت ‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ أي الأرض كلها لأنهما ناحيتاها ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ‏}‏ وجوهكم في الصلاة بأمره ‏{‏فَثَمَّ‏}‏ هناك ‏{‏وَجْهُ الله‏}‏ قبلته التي رضيها ‏{‏إِنَّ الله واسع‏}‏ يسع فضله كل شيء ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بتدبير خلقه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏

‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏116‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ بواو ودونها أي اليهود والنصارى ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله ‏{‏اتخذ الله وَلَدًا‏}‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه‏}‏ تنزيها له عنه ‏{‏بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض‏}‏ ملكاً وخلقاً وعبيداً والملكية تنافي الولادة وعبر ب«ما» تغليبا لما لا يعقل ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏

‏{‏بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏117‏)‏‏}‏

‏{‏بَدِيعُ السموات والأرض‏}‏ موجدهما لا على مثال سبق ‏{‏وَإِذَا قضى‏}‏ أراد ‏{‏أمْراً‏}‏ أي إيجاده ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب جواباً للأمر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏118‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏لَوْلاَ‏}‏ هلا ‏{‏يُكَلّمُنَا الله‏}‏ بأنك رسوله ‏{‏أًوْ تَأْتِيَنَآ ءَايَةٌ‏}‏ مما اقترحناه على صدقك ‏{‏كذلك‏}‏ كما قال هؤلاء ‏{‏قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم‏}‏ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم ‏{‏مِّثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏ من التعنت وطلب الآيات ‏{‏تشابهت قُلُوبُهُمْ‏}‏ في الكفر والعناد، فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراح آية معها تعنُّت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏119‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ‏(‏119‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أرسلناك‏}‏ يا محمد ‏{‏بالحق‏}‏ بالهدى ‏{‏بَشِيراً‏}‏ مَنْ أجاب إليه بالجنة ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ مَنْ لم يجب إليه بالنار ‏{‏وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم‏}‏ النار أي الكفار ما لهم لم يؤمنوا‏؟‏ إنما عليك البلاغ وفي قراءة ‏[‏تسأل‏]‏ بجزم ‏(‏تُسْألْ‏)‏ نهياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏

‏{‏وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏120‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‏}‏ دينهم ‏{‏قُلْ إِنَّ هُدَى الله‏}‏ أي الإسلام ‏{‏هُوَ الهدى‏}‏ وما عداه ضلال ‏{‏وَلَئِنِ‏}‏ لام قسم ‏{‏اتبعت أَهْوَاءَهُم‏}‏ التي يدعونك إليها فرضاً ‏{‏بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏ الوحي من الله ‏{‏مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ‏}‏ يحفظك ‏{‏وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ يمنعك منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏121‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ مبتدأ ‏{‏يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ‏}‏ أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال ‏(‏وحقَّ‏)‏ نُصِبَ على المصدر والخبر ‏{‏أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا ‏{‏وَمن يَكْفُرْ بِهِ‏}‏ أي بالكتاب المؤتى بأن يحرّفه ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون‏}‏ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

‏{‏يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين‏}‏ تقدّم مثله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏123‏]‏

‏{‏وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

‏{‏واتقوا‏}‏ خافوا ‏{‏يَوْمًا لاَّ تَجْزِى‏}‏ تغني ‏{‏نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ‏}‏ فيه ‏{‏شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ فداء ‏{‏وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ يمنعون من عذاب الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏124‏]‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

‏{‏وَ‏}‏ اذكر ‏{‏إِذْ ابتلى‏}‏ اختبر ‏{‏إِبْرَاهِيمَ‏}‏ وفي قراءة ‏(‏إبراهام‏)‏ ‏{‏رَبُّهُ بكلمات‏}‏ بأوامر ونواه كلَّفه بها قيل هي مناسك الحج وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وَفرْقُ الرأس وقَلْمُ الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏ أدّاهن تامات ‏{‏قَالَ‏}‏ تعالى له‏:‏ ‏{‏إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ قدوة في الدين ‏{‏قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى‏}‏ أولادي اجعل أئمة ‏{‏قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي‏}‏ بالإمامة ‏{‏الظالمين‏}‏ الكافرين منهم دل على أنه ينال غير الظالم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا البيت‏}‏ الكعبة ‏{‏مَثَابَةً لّلنَّاسِ‏}‏ مرجعاً يثوبون إليه من كل جانب ‏{‏وَأَمْناً‏}‏ مأمناً لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يَهِيجُهُ ‏{‏واتخذوا‏}‏ أيها الناس ‏{‏مِن مَّقَامِ إبراهيم‏}‏ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت ‏{‏مُصَلًّى‏}‏ مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءة ‏(‏واتخذوا‏)‏ بفتح الخاء خبر ‏{‏وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏ أمرناهما ‏{‏أن‏}‏ أي بأن ‏{‏طَهّرَا بَيْتِىَ‏}‏ من الأوثان ‏{‏لِلطَّائِفِينَ والعاكفين‏}‏ المقيمين فيه ‏{‏والركع السجود‏}‏ جمع راكع وساجد المصلين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏126‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا‏}‏ المكان ‏{‏بَلَدًا آمِنًا‏}‏ ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يُظْلَم فيه أحد ولا يُصَاد صيده ولا يُخْتَلَى خلاه ‏{‏وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات‏}‏ وقد فعل بنقل ‏(‏الطائف‏)‏ من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء ‏{‏مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر‏}‏ بدل من ‏(‏أهله‏)‏، وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله‏:‏ ‏(‏لا ينال عهدي الظالمين‏)‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ تعالى ‏{‏وَ‏}‏ أرزق ‏{‏مَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ‏}‏ بالتشديد والتخفيف ‏[‏فأمتعه‏]‏ في الدنيا بالرزق ‏{‏قَلِيلاً‏}‏ مدة حياته ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ‏}‏ أُلجئه في الآخرة ‏{‏إلى عَذَابِ النار‏}‏ فلا يجد عنها محيصاً ‏{‏وَبِئْسَ المصير‏}‏ المرجع هي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏‏}‏

‏{‏وَ‏}‏ اذكر ‏{‏إِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد‏}‏ الأسس أو الجُدُر ‏{‏مِنَ البيت‏}‏ يبنيه، متعلق ‏(‏بيرفع‏)‏ ‏{‏وإسماعيل‏}‏ عطف على ‏(‏إبراهيم‏)‏ يقولان ‏{‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا‏}‏ بناءنا ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ السميع‏}‏ للقول ‏{‏العليم‏}‏ بالفعل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏128‏]‏

‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏‏}‏

‏{‏رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ‏}‏ منقادين ‏{‏لَكَ‏}‏ اجعل ‏{‏مِنْ ذُرِّيَّتِنَا‏}‏ أولادنا ‏{‏أُمَّةً‏}‏ جماعة ‏{‏مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏ ‏(‏ومن‏)‏ للتبعيض وأتى به لتقدُّم قوله ‏(‏لا ينال عهدي الظالمين‏)‏ ‏{‏وَأَرِنَا‏}‏ علّمنا ‏{‏مَنَاسِكَنَا‏}‏ شرائع عبادتنا أو حجنا ‏{‏وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم‏}‏ سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعاً وتعليماً لذرّيتهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏129‏]‏

‏{‏رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏‏}‏

‏{‏رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ‏}‏ أي أهل البيت ‏{‏رَسُولاً مّنْهُمْ‏}‏ من أنفسهم وقد أجاب الله دعاءه بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياتك‏}‏ القرآن ‏{‏وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب‏}‏ القرآن ‏{‏والحكمة‏}‏ أي ما فيه من الأحكام ‏{‏وَيُزَكّيهِمْ‏}‏ يطهرهم من الشرك ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز‏}‏ الغالب ‏{‏الحكيم‏}‏ في صنعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏130‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ‏}‏ أي لا ‏{‏يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم‏}‏ فيتركها ‏{‏إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ جهل نفسه أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنها ‏{‏وَلَقَدِ اصطفيناه‏}‏ اخترناه ‏{‏فِى الدنيا‏}‏ بالرسالة والخُلَّة ‏{‏وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏ الذين لهم الشئدرجات العلى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏131‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏‏}‏

واذكر ‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ‏}‏ انقد لله وأخلص له دينك ‏{‏قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏132‏]‏

‏{‏وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

‏{‏ووصى‏}‏ وفي قراءة ‏(‏أوصى‏)‏ ‏{‏بِهَا‏}‏ بالملة ‏{‏إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ‏}‏ بنيه قال ‏{‏يابنى إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين‏}‏ دين الإسلام ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ نَهيٌ عن ترك الإسلام وأمْرٌ بالثبات عليه إلى مصادفة الموت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏133‏]‏

‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏‏}‏

ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل‏:‏ ‏{‏أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء‏}‏ حضوراً ‏{‏إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ‏}‏ بدل من ‏(‏إذ‏)‏ قبله ‏{‏قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى‏}‏ بعد موتي‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏}‏ عَدَّ إسماعيل من الآباء تغليبٌ ولأن العم بمنزلة الأب ‏{‏إلها واحدا‏}‏ بدل من ‏(‏إلهك‏)‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ و‏(‏أم‏)‏ بمعنى همزة الإنكار أي لم تحضروه وقت موته فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏134‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ‏}‏ مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما وأُنِّث لتأنيث خبره ‏{‏أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ سلفت ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ‏}‏ من العمل أي جزاؤه واستئناف ‏{‏وَلَكُمْ‏}‏ الخطاب لليهود ‏{‏مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏

‏{‏وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ‏}‏ ‏(‏أو‏)‏ للتفصيل وقائل الأوّل ‏(‏يهود المدينة‏)‏ والثاني ‏(‏نصارى نجران‏)‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏بَلِ‏}‏ نتبع ‏{‏مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً‏}‏ حال من ‏(‏إبراهيم‏)‏ مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏

‏{‏قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏‏}‏

‏{‏قُولُواْ‏}‏ خطاب للمؤمنين ‏{‏ءَامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ من القرآن ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم‏}‏ من الصحف العشر ‏{‏وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ‏}‏ أولاده ‏{‏وَمَا أُوتِىَ موسى‏}‏ من التوراة ‏{‏وَعِيسَى‏}‏ من الإنجيل ‏{‏وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ‏}‏ من الكتب والآيات ‏{‏لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ‏}‏ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏137‏]‏

‏{‏فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِنْ ءَامَنُواْ‏}‏ أي اليهود والنصارى ‏{‏بِمَثَلِ‏}‏ ‏(‏مثل‏)‏ زائدة ‏{‏مَا ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ‏}‏ عن الإيمان به ‏{‏فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ‏}‏ خلاف معكم ‏{‏فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله‏}‏ يا محمد شقاقهم ‏{‏وَهُوَ السميع‏}‏ لأقوالهم ‏{‏العليم‏}‏ بأحوالهم، وقد كفاه إياهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏

‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

‏{‏صِبْغَةَ الله‏}‏ مصدر مؤكد ل ‏(‏آمنا‏)‏ ونصبه بفعل مقدر أي صبغنا الله، والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب ‏{‏وَمَنْ‏}‏ أي لا أحد ‏{‏أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً‏}‏ تمييز ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عابدون‏}‏ قال اليهود للمسلمين نحن أهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ولو كان محمد نبياً، لكان منا فنزل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏

‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏أَتُحَاجُّونَنَا‏}‏ تخاصموننا ‏{‏فِى الله‏}‏ أن اصطفى نبياً من العرب ‏{‏وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ‏}‏ فله أن يصطفي من عباده من يشاء ‏{‏وَلَنَا أعمالنا‏}‏ نُجَازَى بها ‏{‏وَلَكُمْ أعمالكم‏}‏ تُجَازَوْنَ بها فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الإكرام ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏ الدين والعملَ دونكم فنحن أولى بالاصطفاء والهمزة للإنكار والجمل الثلاث أحوال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ‏}‏ بل أ ‏{‏تَقُولُونَ‏}‏ بالتاء والياء ‏{‏إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏ءَأنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله‏}‏ أي الله أعلم وقد برَّأ منهما إبراهيم بقوله‏:‏ ‏{‏ما كان إبراهيمُ يهودياً ولا نصرانياً‏}‏ ‏[‏67‏:‏ 3‏]‏ والمذكورون معه تبعٌ له ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ‏}‏ أخفى عن الناس ‏{‏شهادة عِندَهُ‏}‏ كائنة ‏{‏مِنَ الله‏}‏‏؟‏ أي لا أحد أظلم منه وهم اليهود كتموا شهادة الله في التوراة لإبراهيم بالحنيفية ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ تهديد لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏141‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ تقدّم مثله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏‏}‏

‏{‏سَيَقُولُ السفهاء‏}‏ الجهال ‏{‏مِنَ الناس‏}‏ اليهود والمشركين ‏{‏مَا ولاهم‏}‏ أي شيء صرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ‏{‏عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏ على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس‏؟‏ والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب ‏{‏قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه ‏{‏يَهْدِى مَن يَشَآء‏}‏ هدايته ‏{‏إلى صراط‏}‏ طريق ‏{‏مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك‏}‏ كما هديناكم إليه ‏{‏جعلناكم‏}‏ يا أمّة محمد ‏{‏أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ خياراً عدولاً ‏{‏لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس‏}‏ يوم القيامة أنَّ رسلهم بلَّغتهم ‏{‏وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏ أنه بلغكم ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا‏}‏ صيرنا ‏{‏القبلة‏}‏ لك الآن الجهة ‏{‏التى كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ أولاً وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إليها فلما هاجر أُمِرَ باستقبال بيت المقدس تألُّفا لليهود فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهراً ثم حُوِّلَ ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏ علم ظهور ‏{‏مَن يَتَّبِعُ الرسول‏}‏ فيصدقه ‏{‏مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ‏}‏ أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة ‏{‏وَإِن‏}‏ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي‏:‏ وإنها ‏{‏كَانَتْ‏}‏ أي التولية إليها ‏{‏لَكَبِيرَةً‏}‏ شاقة على الناس ‏{‏إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله‏}‏ منهم ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم‏}‏ أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل ‏{‏إِنَّ الله بالناس‏}‏ المؤمنين ‏{‏لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ في عدم إضاعة أعمالهم و‏(‏الرأفة‏)‏ شدّة الرحمة وقُدّم الأبلغ للفاصلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏‏}‏

‏{‏قَدْ‏}‏ للتحقيق ‏{‏نرى تَقَلُّبَ‏}‏ تصرُّف ‏{‏وَجْهِكَ فِي‏}‏ جهة ‏{‏السماء‏}‏ متطلعا إلى الوحي ومتشوّقاً للأمر باستقبال الكعبة وكان يودّ ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدْعَى إلى إسلام العرب ‏{‏فَلَنُوَلّيَنَّكَ‏}‏ نحِّولنَّك ‏{‏قِبْلَةً ترضاها‏}‏ تحبها ‏{‏فَوَلّ وَجْهَكَ‏}‏ استقبل في الصلاة ‏{‏شَطْرَ‏}‏ نحو ‏{‏المسجد الحرام‏}‏ أي الكعبة ‏{‏وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ‏}‏ خطاب للأمة ‏{‏فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ‏}‏ في الصلاة ‏{‏شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ‏}‏ أي التولي إلى الكعبة ‏{‏الحق‏}‏ الثابت ‏{‏مِّن رَّبّهِمُ‏}‏ لما في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتحول إليها ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِنِ‏}‏ لام قسم ‏{‏أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلّ ءَايَةٍ‏}‏ على صدقك في أمر القبلة ‏{‏مَّا تَبِعُواْ‏}‏ أي لايتبعون ‏{‏قِبْلَتَكَ‏}‏ عناداً ‏{‏وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ‏}‏ قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها ‏{‏وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ‏}‏ أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم‏}‏ التي يدعونك إليها ‏{‏مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏ الوحي ‏{‏إِنَّكَ إِذَاً‏}‏ إن اتبعتهم فرضاً ‏{‏لَّمِنَ الظالمين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏146‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏‏}‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ‏}‏ أي محمداً ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ‏}‏ بنعته في كتبهم قال ابن سلام‏:‏ ‏(‏لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد أشدّ‏)‏ ‏{‏وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق‏}‏ نعته ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ هذا الذي أنت عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏147‏]‏

‏{‏الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

‏{‏الحق‏}‏ كائن ‏{‏مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏ الشاكِّين فيه أي من هذا النوع فهو أبلغ من ‏(‏لا تَمْتَر‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏148‏]‏

‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِكُلٍّ‏}‏ من الأمم ‏{‏وِجْهَةٌ‏}‏ قبلة ‏{‏هُوَ مُوَلّيهَا‏}‏ وجهه في صلاته وفي قراءة ‏(‏مُوَلاَّها‏)‏ ‏{‏فَاسْتَبِقُواْ الخَيْرَاتِ‏}‏ بادروا إلى الطاعات وقبولها ‏{‏أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا‏}‏ يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏149‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏}‏ لسفر ‏{‏فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بالتاء والياء تقدم مثله وكرره لبيان تساوي حكم السفر وغيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏150‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ كرّره للتأكيد ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ‏}‏ اليهود أو المشركين ‏{‏عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ‏}‏ أي مجادلة في التولي إلى غيره أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود يجحد ديننا ويتبع قبلتنا وقول المشركين يدَّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ بالعناد فإنهم يقولون ما تحوّل إليها إلا ميلاً إلى دين آبائه والاستثناء متصل والمعنى‏:‏ لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء ‏{‏فَلاَ تَخْشَوْهُمْ‏}‏ تخافوا جدالهم في التولي إليها ‏{‏واخشونى‏}‏ بامتثال أمري ‏{‏وَلأُتِمَّ‏}‏ عطف على ‏(‏لئلا يكون‏)‏ ‏{‏نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ‏}‏ بالهداية إلى معالم دينكم ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ إلى الحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا‏}‏ متعلق ‏(‏بأتم‏)‏، أي إتماما كإتمامها بإرسالنا ‏{‏فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ‏}‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءاياتنا‏}‏ القرآن ‏{‏وَيُزَكِيكُمْ‏}‏ يطهركم من الشرك ‏{‏وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب‏}‏ القرآن ‏{‏والحكمة‏}‏ ما فيه من الأحكام ‏{‏وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏‏}‏

‏{‏فاذكرونى‏}‏ بالصلاة والتسبيح ونحوه ‏{‏أَذْكُرْكُمْ‏}‏ قيل معناه ‏(‏أجازيكم‏)‏ وفي الحديث عن الله «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» ‏{‏واشكروا لِي‏}‏ نعمتي بالطاعة ‏{‏وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ بالمعصية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ استعينوا‏}‏ على الآخرة ‏{‏بالصبر‏}‏ على الطاعة والبلاء ‏{‏والصلاة‏}‏ خصها بالذكر لتكرُّرها وعظمها ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ بالعون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله‏}‏ هم ‏{‏أَمْوَاتٌ بَلْ‏}‏ هم ‏{‏أَحْيَاءٌ‏}‏ أرواحهم في حواصل طيور خُضْرٍ تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك ‏{‏وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ تعلمون ما هم فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏155‏]‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف‏}‏ للعدوّ ‏{‏والجوع‏}‏ القحط ‏{‏وَنَقْصٍ مّنَ الأموال‏}‏ بالهلاك ‏{‏والأنفس‏}‏ بالقتل والموت والأمراض ‏{‏والثمرات‏}‏ بالحوائج أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا‏؟‏ ‏{‏وَبَشّرِ الصابرين‏}‏ على البلاء بالجنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏156‏]‏

‏{‏الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏‏}‏

هم ‏{‏الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ‏}‏ بلاء ‏{‏قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ‏}‏ ملكاً وعبيداً يفعل بنا ما يشاء ‏{‏وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون‏}‏ في الآخرة فيجازينا وفي الحديث «من استرجع عند المصيبة آجره الله فيها وأخلف الله عليه خيراً» وفيه‏:‏ أن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم طَفِئ فاسترجع فقالت عائشة إنما هذا مصباح فقال «كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة» رواه أبو داود في مراسيله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏157‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات‏}‏ مغفرة ‏{‏مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ نعمة ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون‏}‏ إلى الصواب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏158- 158‏]‏

‏{‏إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الصفا والمروة‏}‏ جبلان بمكة ‏{‏مِن شَعَائِرِ الله‏}‏ أعلام دينه جمع ‏(‏شعيرة‏)‏ ‏{‏فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر‏}‏ أي تلبس بالحج أو العمرة وأصلهما القصد والزيارة ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ‏}‏ إثم عَلَيْهِ ‏{‏أَن يَطَّوَّفَ‏}‏ فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء ‏{‏بِهِمَا‏}‏ بأن يسعى بينهما سبعاً، نزلت لما كره المسلمون ذلك لأنّ أهل الجاهلية كانوا يَطّوفون بهما وعليهما صنمان يمسحونهما، وعن ابن عباس أنّ السعي غير فرض لما أفاده رفع الإثم من التخيير وقال الشافعي وغيره‏:‏ ركن وبيَّن صلى الله عليه وسلم فريضته بقوله «إن الله كتب عليكم السعي» رواه البيهقي وغيره وقال‏:‏ «ابدأوا بما بدَأ الله به» يعني الصفا رواه مسلم ‏{‏وَمَن تَطَوَّعَ‏}‏ في قراءة ‏(‏من تطوع‏)‏ بالتحتية وتشديد الطاء مجزوماً وفيه إدغام التاء فيها ‏{‏خَيْرًا‏}‏ أي بخير أي عمل ما لم يجب عليه من طواف وغيره ‏{‏فَإِنَّ الله شَاكِرٌ‏}‏ لعمله بالإثابة عليه ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ‏(‏159‏)‏‏}‏

ونزل في اليهود ‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ‏}‏ الناس ‏{‏مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى‏}‏ كآية الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب‏}‏ التوراة ‏{‏أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله‏}‏ يبعدهم من رحمته ‏{‏وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون‏}‏ الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏160‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏160‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ الذين تَابُواْ‏}‏ رجعوا عن ذلك ‏{‏وَأَصْلَحُواْ‏}‏ عملهم ‏{‏وَبَيَّنُواْ‏}‏ ما كتموا ‏{‏فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏ أقبل توبتهم ‏{‏وَأَنَا التواب الرحيم‏}‏ بالمؤمنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏161‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏161‏)‏‏}‏

‏{‏إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ‏}‏ حال ‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ‏}‏ أي هم مستحقون ذلك في الدنيا والآخرة، ‏(‏والناس‏)‏ قيل‏:‏ عام وقيل‏:‏ المؤمنون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏162‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏

‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها ‏{‏لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب‏}‏ طرفة عين ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ يمهلون لتوبة أو معذرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏163‏]‏

‏{‏وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏163‏)‏‏}‏

ونزل لما قالوا صف لنا ربك‏:‏ ‏{‏وإلهكم‏}‏ المستحق للعبادة منكم ‏{‏إله واحد‏}‏ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ هو ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏164‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏164‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض‏}‏ وما فيهما من العجائب ‏{‏واختلاف اليل والنهار‏}‏ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان ‏{‏والفلك‏}‏ السفن ‏{‏التى تَجْرِى فِى البحر‏}‏ ولا ترسب موقرة ‏{‏بِمَا يَنفَعُ الناس‏}‏ من التجارات والحمل ‏{‏وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاءٍ‏}‏ مطر ‏{‏فَأَحْيَا بِهِ الأرض‏}‏ بالنبات ‏{‏بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ يَبَسِهَا ‏{‏وَبَثَّ‏}‏ فرّق ونشر به ‏{‏فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ‏}‏ لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه ‏{‏وَتَصْرِيفِ الرياح‏}‏ تقليبها جنوباً وشمالاً حارة وباردة ‏{‏والسحاب‏}‏ الغيم ‏{‏المسخر‏}‏ المذلل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله ‏{‏بَيْنَ السماء والأرض‏}‏ بلا علاقة ‏{‏لأيات‏}‏ دلالاَت على وحدانيته تعالى ‏{‏لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ يتدبرون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏165‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ‏(‏165‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله‏}‏ أي غيره ‏{‏أَندَاداً‏}‏ أصناماً ‏{‏يُحِبُّونَهُمْ‏}‏ بالتعظيم والخضوع ‏{‏كَحُبِّ الله‏}‏ أي كحبهم له ‏{‏والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ‏}‏ من حبهم للأنداد لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدّة إلى الله ‏{‏وَلَوْ يَرَى‏}‏ بالياء والتاء تبصر يا محمد ‏{‏الذين ظَلَمُواْ‏}‏ باتخاذ الأنداد ‏{‏إِذْ يَرَوْنَ‏}‏ بالبناء للفاعل والمفعول يبصرون ‏{‏العذاب‏}‏ لرأيت أمراً عظيماً ‏(‏وإذ‏)‏ بمعنى ‏(‏إذا‏)‏ ‏{‏أن‏}‏ أي لأن ‏{‏القوة‏}‏ القدرة والغلبة ‏{‏للَّهِ جَمِيعاً‏}‏ حال ‏{‏وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب‏}‏ وفي قراءة يرى بالتحتانية والفاعل قيل‏:‏ ضمير السامع وقيل ‏(‏الذين ظلموا‏)‏ فهي بمعنى يعلم وأن وما بعدها سدت مسدّ المفعولين وجواب ‏(‏لو‏)‏ محذوف والمعنى لو علموا في الدنيا شدّة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة لما اتخذوا من دونه أنداداً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏166‏]‏

‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ‏(‏166‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ‏}‏ بدل من ‏(‏إذ‏)‏ قبله ‏{‏تَبَرَّأَ الذين اتبعوا‏}‏ أي الرؤساء ‏{‏مِنَ الذين اتبعوا‏}‏ أي أنكروا إضلالهم ‏{‏وَ‏}‏ قد ‏{‏رَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ‏}‏ عطف على ‏(‏تبرأ‏)‏ ‏{‏بِهِمْ‏}‏ عنهم ‏{‏الاسباب‏}‏ الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏167‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ‏(‏167‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً‏}‏ رجعة إلى الدنيا ‏{‏فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ‏}‏ أي المتبوعين ‏{‏كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا‏}‏ اليوم و‏(‏لو‏)‏ للتمني و‏(‏نتبرأ‏)‏ جوابه ‏{‏كذلك‏}‏ أي كما أراهم شدّة عذابه وتَبَرّؤَ بعضهم من بعض ‏{‏يُرِيهِمُ الله أعمالهم‏}‏ السيئة ‏{‏حسرات‏}‏ حال ندامات ‏{‏عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار‏}‏ بعد دخولها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏168‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏168‏)‏‏}‏

ونزل فيمن حرّم السوائب ونحوها‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا‏}‏ حال ‏{‏طَيّباً‏}‏ صفة مؤكدة أي مستلذَّاً ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات‏}‏ طرق ‏{‏الشيطان‏}‏ أي تزيينه ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ بيِّن العداوة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏169‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏169‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء‏}‏ الإثم ‏{‏والفحشاء‏}‏ القبيح شرعاً ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ من تحريم ما لم يحرِّم وغيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏170‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏170‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ‏}‏ أي الكفار ‏{‏اتبعوا مَا أَنزَلَ الله‏}‏ من التوحيد وتحليل الطيبات ‏{‏قَالُواْ‏}‏ لا ‏{‏بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا‏}‏ وجدنا ‏{‏عَلَيْهِ ءَابَاءنَا‏}‏ من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر قال تعالى‏:‏ ‏{‏أ‏}‏ يتبعونهم ‏{‏وَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا‏}‏ من أمر الدين ‏{‏وَلاَ يَهْتَدُونَ‏}‏ إلى الحق والهمزة للإنكار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏171‏]‏

‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَثَلُ‏}‏ صفة ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏ ومن يدعوهم إلى الهدى ‏{‏كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ‏}‏ يصوّت ‏{‏بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً‏}‏ أي صوتاً ولا يفهم معناه أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه هم ‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ الموعظة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏172‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏172‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ‏}‏ حلالات ‏{‏مَا رزقناكم واشكروا للَّهِ‏}‏ على ما أحل لكم ‏{‏إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏173‏]‏

‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏173‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة‏}‏ أي أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي ما لم يُذَكَّ شرعاً وأُلحِقَ بها بالسنة ما أبين من حيّ وخُصَّ منها السمك والجراد ‏{‏والدم‏}‏ أي المسفوح كما في ‏(‏الأنعام‏)‏ ‏[‏6‏:‏ 145‏]‏ ‏{‏وَلَحْمَ الخنزير‏}‏ خص اللحم لأنه معظم المقصود وغيره تبع له ‏{‏وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله‏}‏ أي ذبح على اسم غيره ‏(‏والإهلال‏)‏ رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم ‏{‏فَمَنِ اضطر‏}‏ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏ خارج على المسلمين ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏ متعدّ عليهم بقطع الطريق ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ في أكله ‏{‏أَنَّ الله غَفُورٌ‏}‏ لأوليائه ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بأهل طاعته حيث وسع لهم في ذلك وخرج الباغي والعادي ويلحق بهما كل عاص بسفره كالآبق والمكّاس فلا يحل لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏174‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏174‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب‏}‏ المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود ‏{‏وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً‏}‏ من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم ‏{‏أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار‏}‏ لأنها مآلهم ‏{‏وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة‏}‏ غضباً عليهم ‏{‏وَلاَ يُزَكّيهِمْ‏}‏ يطهرهم من دنس الذنوب ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ مؤلم هو النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏175‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ‏(‏175‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى‏}‏ أخذوها بدله في الدنيا ‏{‏والعذاب بالمغفرة‏}‏ المعدّة لهم في الآخرة لو لم يكتموا ‏{‏فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار‏}‏ أي ما أشدّ صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيُّ صبر لهم‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏176‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك‏}‏ الذي ذُكِرَ من أكلهم النار وما بعده ‏{‏بِأَنَّ‏}‏ بسبب أنّ ‏{‏الله نَزَّلَ الكتاب بالحق‏}‏ متعلق ‏(‏بنزل‏)‏ فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه ‏{‏وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب‏}‏ بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة ‏{‏لَفِى شِقَاقٍ‏}‏ خلاف ‏{‏بَعِيدٍ‏}‏ عن الحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏177‏]‏

‏{‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

‏{‏لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ‏}‏ في الصلاة ‏{‏قِبَلَ المشرق والمغرب‏}‏ نزل ردّاً على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك ‏{‏ولكن البر‏}‏ أي ذا البر وقرئ بفتح الباء أي البار ‏{‏مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الآخر والملئكة والكتاب‏}‏ أي الكتب ‏{‏والنبيين وَءاتَى المال على‏}‏ مع ‏{‏حُبّهِ‏}‏ له ‏{‏ذَوِى القربى‏}‏ القرابة ‏{‏واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ المسافر ‏{‏والسائلين‏}‏ الطالبين ‏{‏وَفِى‏}‏ فك ‏{‏الرقاب‏}‏ المكاتبين والأسرى ‏{‏وأقامالصلاوة وَءَاتَى الزكاوة‏}‏ المفروضة وما قبله في التطّوع ‏{‏والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا‏}‏ الله أو الناس ‏{‏والصابرين‏}‏ نصب على المدح ‏{‏فِى البأساء‏}‏ شدّة الفقر ‏{‏والضراء‏}‏ المرض ‏{‏وَحِينَ البأس‏}‏ وقت شدّة القتال في سبيل الله ‏{‏أولئك‏}‏ الموصوفون بما ذكر ‏{‏الذين صَدَقُوا‏}‏ في إيمانهم أو ادّعاء البر ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون‏}‏ الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏178‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏178‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ‏}‏ فرض ‏{‏عَلَيْكُمُ القصاص‏}‏ المماثلة ‏{‏فِي القتلى‏}‏ وصفاً وفعلاً ‏{‏الحر‏}‏ يقتل ‏{‏بِالْحُرّ‏}‏ ولا يقتل بالعبد ‏{‏والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‏}‏ وبينت السنة أنّ الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر ولو حرّاً ‏{‏فَمَنْ عُفِىَ لَهُ‏}‏ من القاتلين ‏{‏مِنْ‏}‏ دم ‏{‏أَخِيهِ‏}‏ المقتول ‏{‏شَئ‏}‏ بأن ترك القصاص منه وتنكير ‏(‏شيء‏)‏ يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر ‏(‏أخيه‏)‏ تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوّة الإيمان ‏(‏ومَن‏)‏ مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر ‏{‏فاتباع‏}‏ أي فعلى العافي اتباع للقاتل ‏{‏بالمعروف‏}‏ بأن يطالبه بالدية بلا عنف وترتيب الاتباع على العفو يفيد أنّ الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورُجِّحَ ‏{‏وَ‏}‏ على القاتل ‏{‏أَدَاءٌ‏}‏ للدية ‏{‏إِلَيْهِ‏}‏ أي العافي وهو الوارث ‏{‏بإحسان‏}‏ بلا مطل ولا بخس ‏{‏ذلك‏}‏ الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية ‏{‏تَخْفِيفٌ‏}‏ تسهيل ‏{‏مّن رَّبّكُمْ‏}‏ عليكم ‏{‏وَرَحْمَةٌ‏}‏ بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحداً منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية ‏{‏فَمَنِ اعتدى‏}‏ ظلم القاتل بأن قتله ‏{‏بَعْدَ ذَلِكَ‏}‏ أي العفو ‏{‏فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏179‏]‏

‏{‏وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏179‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَكُمْ فِي القصاص حياة‏}‏ أي بقاء عظيم ‏{‏ياأولي الألباب‏}‏ ذوي العقول لأنّ القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ القتل لمخافة القَوَد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏180‏]‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏180‏)‏‏}‏

‏{‏كُتِبَ‏}‏ فرض ‏{‏عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت‏}‏ أي أسبابه ‏{‏إِن تَرَكَ خَيْرًا‏}‏ مالاً ‏{‏الوصية‏}‏ مرفوع ‏(‏بِكُتِبَ‏)‏ ومتعلق ‏(‏بإذا‏)‏ إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب ‏(‏إن‏)‏ أي‏:‏ فليوصِ ‏{‏للوالدين والأقربين بالمعروف‏}‏ بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغني ‏{‏حَقّاً‏}‏ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله ‏{‏عَلَى المتقين‏}‏ الله وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث «لا وصية لوارث» رواه الترمذي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏181‏]‏

‏{‏فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏181‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَن بَدَّلَهُ‏}‏ أي الإيصاء من شاهد ووصي ‏{‏بَعْدَمَا سَمِعَهُ‏}‏ علمه ‏{‏فَإِنَّمَا إِثْمُهُ‏}‏ أي الإيصاء المبدل ‏{‏عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ‏}‏ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر ‏{‏إِنَّ الله سَمِيعٌ‏}‏ لقول الموصي ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بفعل الوصي فمجاز عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏182‏]‏

‏{‏فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ‏}‏ مخففاً ومثقلاً ‏[‏موصّى‏]‏ ‏{‏جَنَفًا‏}‏ ميلاً عن الحق خطأ ‏{‏أَوْ إِثْماً‏}‏ بأن تعمَّد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غنيّ مثلاً ‏{‏فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ‏}‏ بين الموصي والموصى له بالأمر بالعدل ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ في ذلك ‏{‏إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏183‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏183‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ‏}‏ فرض ‏{‏عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ‏}‏ من الأمم ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏184‏]‏

‏{‏أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏184‏)‏‏}‏

‏{‏أَيَّامًا‏}‏ نُصِبَ بالصيام أو ب ‏(‏صوموا‏)‏ مقدّراً ‏{‏معدودات‏}‏ أي قلائل أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلَّله تسهيلاً على المكلفين ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم‏}‏ حين شهوده ‏{‏مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ‏}‏ أي مسافرا سفر القصر وأجهده الصوم في الحالين فأفطر ‏{‏فَعِدَّةٌ‏}‏ فعليه عدة ما أفطر ‏{‏مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ‏}‏ يصومها بدله ‏{‏وَعَلَى الذين‏}‏ لا ‏{‏يُطِيقُونَهُ‏}‏ لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه ‏{‏فِدْيَةٌ‏}‏ هي ‏{‏طَعَامُ مِسْكِنٍ‏}‏ أي قدر ما يأكله في يومه وهو مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم، وفي قراءة ‏[‏فدية طعام مسكين‏]‏ بإضافة ‏(‏فدية‏)‏ وهي للبيان وقيل «لا» غير مقدرة وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ بتعيين الصوم بقوله ‏(‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏)‏ قال ابن عباس‏:‏ إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما ‏{‏فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا‏}‏ بالزيادة على القدر المذكور في الفدية ‏{‏فَهُوَ‏}‏ أي التطوع ‏{‏خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ‏}‏ مبتدأ وخبره ‏{‏خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ من الإفطار والفدية ‏{‏إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أنه خير لكم فافعلوه تلك الأيام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏185‏]‏

‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏185‏)‏‏}‏

‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن‏}‏ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، منه ‏{‏هُدًى‏}‏ حال هادياً من الضلالة ‏{‏لّلنَّاسِ وبينات‏}‏ آيات واضحات ‏{‏مِنَ الهدى‏}‏ مما يهدي إلى الحق من الأحكام ‏{‏وَ‏}‏ من ‏{‏الفرقان‏}‏ مما يفرق بين الحق والباطل ‏{‏فَمَن شَهِدَ‏}‏ حضر ‏{‏مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ‏}‏ تقدّم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم ‏(‏من شهد‏)‏ ‏{‏يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر‏}‏ ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر ولكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم عطف عليه ‏{‏وَلِتُكْمِلُواْ‏}‏ بالتخفيف والتشديد ‏[‏ولتكمِّلوا‏]‏ ‏{‏العدة‏}‏ أي عدّة صوم رمضان ‏{‏وَلِتُكَبّرُواْ الله‏}‏ عند إكمالها ‏{‏على مَا هداكم‏}‏ أرشدكم لمعالم دينه ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ الله على ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏186‏]‏

‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ‏(‏186‏)‏‏}‏

وسأل جماعة النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه‏؟‏ فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ‏}‏ منهم بعلمي فأخبرهم بذلك ‏{‏أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ‏}‏ بإنالته ما سأل ‏{‏فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى‏}‏ دعائي بالطاعة ‏{‏وَلْيُؤْمِنُواْ‏}‏ يداوموا على الإيمان ‏{‏بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏}‏ يهتدون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏187‏)‏‏}‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث‏}‏ بمعنى الإفضاء ‏{‏إلى نِسَائِكُمْ‏}‏ بالجماع، نزل نسخاً لما كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء ‏{‏هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ‏}‏ كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه ‏{‏عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ‏}‏ تخونون ‏{‏أَنفُسَكُمْ‏}‏ بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَتَابَ عَلَيْكُمْ‏}‏ قبل توبتكم ‏{‏وَعَفَا عَنكُمْ فالئان‏}‏ إذ أُحل لكم ‏{‏باشروهن‏}‏ جامعوهن ‏{‏وابتغوا‏}‏ اطلبوا ‏{‏مَا كَتَبَ الله لَكُمْ‏}‏ أي أباحه من الجماع أو قدره من الولد ‏{‏وَكُلُواْ واشربوا‏}‏ الليل كله ‏{‏حتى يَتَبَيَّنَ‏}‏ يظهر ‏{‏لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر‏}‏ أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شُبِهَ ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد ‏{‏ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام‏}‏ من الفجر ‏{‏إلىليل‏}‏ أي إلى دخوله بغروب الشمس ‏{‏وَلاَ تباشروهن‏}‏ أي نساءكم ‏{‏وَأَنتُمْ عاكفون‏}‏ مقيمون بنيّة الاعتكاف ‏{‏فِي المساجد‏}‏ متعلق ‏(‏بعاكفون‏)‏ نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود ‏{‏تِلْكَ‏}‏ الأحكام المذكورة ‏{‏حُدُودُ الله‏}‏ حدّها لعباده ليقفوا عندها ‏{‏فَلاَ تَقْرَبُوهَا‏}‏ أبلغ من «لا تعتدوها» المعبر به في آية أخرى ‏{‏كذلك‏}‏ كما بيَّن لكم ما ذكر ‏{‏يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ محارمه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏

‏{‏وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم‏}‏ أي يأكل بعضكم مال بعض ‏{‏بالباطل‏}‏ الحرام شرعاً كالسرقة والغصب ‏{‏وَ‏}‏ لا ‏{‏تُدْلُوا‏}‏ تلقوا ‏{‏بِهَا‏}‏ أي بحكومتها أو بالأموال رشوة ‏{‏إِلَى الحكام لِتَأْكُلُواْ‏}‏ بالتحاكم ‏{‏فَرِيقاً‏}‏ طائفة ‏{‏مّنْ أَمْوَالِ الناس‏}‏ متلبسين ‏{‏بالإثم وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أنكم مبطلون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏189‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏189‏)‏‏}‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ‏}‏ يا محمد ‏{‏عَنِ الأهلة‏}‏ جمع ‏(‏هلال‏)‏ لِم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ نوراً ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس‏؟‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏هِىَ مَوَاقِيتُ‏}‏ جمع ‏(‏ميقات‏)‏ ‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم ‏{‏والحج‏}‏ عطف على ‏(‏الناس‏)‏ أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك ‏{‏وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا‏}‏ في الإحرام بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه براً ‏{‏ولكن البر‏}‏ أي ذا البر ‏{‏مَنِ اتقى‏}‏ الله بترك مخالفته ‏{‏وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها‏}‏ في الإحرام كغيره ‏{‏واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ تفوزون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏190‏]‏

‏{‏وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏190‏)‏‏}‏

ولما صُدّ صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويُخلوا له مكة ثلاثة أيام وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل‏:‏ ‏{‏وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله‏}‏ أي لإعلاء دينه ‏{‏الذين يقاتلونكم‏}‏ الكفار ‏{‏وَلاَ تَعْتَدُواْ‏}‏ عليهم بالابتداء بالقتال ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين‏}‏ المتجاوزين ما حدّ لهم وهذا منسوخ بآية ‏(‏براءة‏)‏ وبقوله‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏191‏]‏

‏{‏وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏191‏)‏‏}‏

‏{‏واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏}‏ وجدتموهم ‏{‏وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ‏}‏ أي من مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح ‏{‏والفتنة‏}‏ الشرك منهم ‏{‏أَشَدُّ‏}‏ أعظم ‏{‏مِنَ القتل‏}‏ لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه ‏{‏وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام‏}‏ أي في الحرم ‏{‏حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم‏}‏ فيه ‏{‏فاقتلوهم‏}‏، فيه وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة ‏[‏ولا تقتلوهم، حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم‏]‏ ‏{‏كذلك‏}‏ القتل والإخراج ‏{‏جَزَاءُ الكافرين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏192‏]‏

‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏192‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْاْ‏}‏ عن الكفر وأسلموا ‏{‏فَإِنَّ الله غَفُورٌ‏}‏ لهم ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏193‏]‏

‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏193‏)‏‏}‏

‏{‏وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ‏}‏ توجد ‏{‏فِتْنَةٌ‏}‏ شرك ‏{‏وَيَكُونَ الدّينُ‏}‏ العبادة ‏{‏لِلَّهِ‏}‏ وحده لا يعبد سواه، ‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْاْ‏}‏ عن الشرك فلا تعتدوا عليهم دل على هذا ‏{‏فَلاَ عدوان‏}‏ اعتداء بقتل أو غيره ‏{‏إِلاَّ عَلَى الظالمين‏}‏ ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏194‏]‏

‏{‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏194‏)‏‏}‏

‏{‏الشهر الحرام‏}‏ المحرّم مقابل ‏{‏بالشهر الحرام‏}‏ فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله ردّ لاستعظام المسلمين ذلك ‏{‏والحرمات‏}‏ جمع ‏(‏حرمة‏)‏ ما يجب احترامه ‏{‏قِصَاصٌ‏}‏ أي يقتص بمثلها إذا انتهكت ‏{‏فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ‏}‏ بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام ‏{‏فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ‏}‏ سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابَل به في الصورة ‏{‏واتقوا الله‏}‏ في الانتصار وترك الاعتداء ‏{‏واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين‏}‏ بالعون والنصر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏195‏]‏

‏{‏وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏195‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله‏}‏ طاعته بالجهاد وغيره ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ‏}‏ أي أنفسكم والباء زائدة ‏{‏إِلَى التهلكة‏}‏ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم ‏{‏وَأَحْسِنُواْ‏}‏ بالنفقة وغيرها ‏{‏إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين‏}‏ أي يثيبهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏196‏]‏

‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏196‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ‏}‏ أَدُّوهما بحقوقهما ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ‏}‏ منعتم عن إتمامهما بعدوِّ ‏{‏فَمَا استيسر‏}‏ تيسر ‏{‏مِنَ الهدى‏}‏ عليكم وهو شاة ‏{‏وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ‏}‏ أي لا تتحللوا ‏{‏حتى يَبْلُغَ الهدى‏}‏ المذكور ‏{‏مَحِلَّهُ‏}‏ حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ‏}‏ كقمل وصداع فحلق في الإحرام ‏{‏فَفِدْيَةٌ‏}‏ عليه ‏{‏مّن صِيَامٍ‏}‏ لثلاثة أيام ‏{‏أَوْ صَدَقَةٍ‏}‏ بثلاثة آصُع من غالب قوت البلد على ستة مساكين ‏{‏أَوْ نُسُكٍ‏}‏ أي ذبح شاة و‏(‏أو‏)‏ للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره ‏{‏فَإِذَا أَمِنتُمْ‏}‏ العدو بأن ذهب أو لم يكن ‏{‏فَمَن تَمَتَّعَ‏}‏ استمتع ‏{‏بالعمرة‏}‏ أي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام ‏{‏إِلَى الحج‏}‏ أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره ‏{‏فَمَا استيسر‏}‏ تيسر ‏{‏مِنَ الهدى‏}‏ عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر ‏{‏فَمَن لَّمْ يَجِدْ‏}‏ الهدي لفقده أو فقد ثمنه ‏{‏فَصِيَامُ‏}‏ أي فعليه صيام ‏{‏ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج‏}‏ أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي ‏{‏وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ‏}‏ إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة ‏{‏تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ‏}‏ جملة تأكيد لما قبلها ‏{‏ذلك‏}‏ الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع ‏{‏لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام‏}‏ بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان، فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع وفي ذكر ‏(‏الأهل‏)‏ إشعار بإشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معاً أو يدخل الحج عليها قبل الطواف ‏{‏واتقوا الله‏}‏ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ‏{‏واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب‏}‏ لمن خالفه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏197‏]‏

‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏197‏)‏‏}‏

‏{‏الحج‏}‏ وقته ‏{‏أَشْهُرٌ معلومات‏}‏ شوّال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله ‏{‏فَمَن فَرَضَ‏}‏ على نفسه ‏{‏فِيهِنَّ الحج‏}‏ بالإحرام به ‏{‏فَلاَ رَفَثَ‏}‏ جماع فيه ‏{‏وَلاَ فُسُوقَ‏}‏ معاصٍ ‏{‏وَلاَ جِدَالَ‏}‏ خصام ‏{‏فِي الحج‏}‏ وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي ‏{‏وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ‏}‏ كصدقة ‏{‏يَعْلَمْهُ الله‏}‏ فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكونون كَلاًّ على الناس‏:‏ ‏{‏وَتَزَوَّدُواْ‏}‏ ما يبلغكم لسفركم ‏{‏فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى‏}‏ ما يُتَّقى به سؤال الناس وغيره ‏{‏واتقون ياأولي الألباب‏}‏ ذوي العقول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏198‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ‏(‏198‏)‏‏}‏

‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ‏}‏ في ‏{‏أَن تَبْتَغُواْ‏}‏ تطلبوا ‏{‏فَضْلاً‏}‏ رزقاً ‏{‏مّن رَّبّكُمْ‏}‏ بالتجارة في الحج نزل رداً لكراهتهم ذلك ‏{‏فَإِذَا أَفَضْتُم‏}‏ دفعتم ‏{‏مِّنْ عرفات‏}‏ بعد الوقوف بها ‏{‏فاذكروا الله‏}‏ بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء ‏{‏عِندَ المشعر الحرام‏}‏ هو جبل في آخر المزدلفة يقال له ‏(‏قُزَح‏)‏ وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً» رواه مسلم ‏{‏واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ‏}‏ لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل ‏{‏وَإن‏}‏ مخففة ‏{‏كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ‏}‏ قبل هداه ‏{‏لَمِنَ الضالين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏199‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏199‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ أَفِيضُواْ‏}‏ يا قريش ‏{‏مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس‏}‏ أي من عرفة بأن تقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف معهم و‏(‏ثم‏)‏ للترتيب في الذكر ‏{‏واستغفروا الله‏}‏ من ذنوبكم ‏{‏إنالله غَفُورٌ‏}‏ للمؤمنين ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏200‏]‏

‏{‏فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ‏(‏200‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا قَضَيْتُمُ‏}‏ أديتم ‏{‏مناسككم‏}‏ عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى ‏{‏فاذكروا الله‏}‏ بالتكبير والثناء ‏{‏كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ‏}‏ كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة ‏{‏أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا‏}‏ من ذكركم إياهم ونُصِبَ ‏(‏أشدّ‏)‏ على الحال من ‏(‏ذكراً‏)‏ المنصوب ‏(‏باذكروا‏)‏ إذ لو تأخر عنه لكان صفة له ‏{‏فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا‏}‏ نصيبنا ‏{‏فِى الدنيا‏}‏ فيؤتاه فيها ‏{‏وَمَا لَهُ فِى الأخرة مِنْ خلاق‏}‏ نصيب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏201‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏(‏201‏)‏‏}‏

‏{‏وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً‏}‏ نعمة ‏{‏وَفِي الأخرة حَسَنَةً‏}‏ هي الجنة ‏{‏وَقِنَا عَذَابَ النار‏}‏ بعدم دخولها‏.‏ وهذا بيان لما كان عليه المشركون ولحال المؤمنين والقصد به الحث على طلب خير الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏202‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏202‏)‏‏}‏

‏{‏أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ‏}‏ ثواب ‏{‏مِ‏}‏ نْ أجل ‏{‏عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ‏}‏ عملوا من الحج والدعاء ‏{‏والله سَرِيعُ الحساب‏}‏ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏203‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏203‏)‏‏}‏

‏{‏واذكروا الله‏}‏ بالتكبير عند رمي الجمرات ‏{‏فِى أَيَّامٍ معدودات‏}‏ أي أيام التشريق الثلاثة ‏{‏فَمَن تَعَجَّلَ‏}‏ أي استعجل بالنفر من منى ‏{‏فِى يَوْمَيْنِ‏}‏ أي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ بالتعجيل ‏{‏وَمَن تَأَخَّرَ‏}‏ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره ‏{‏فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ بذلك أي هم مخيرون في ذلك ونفي الإثم ‏{‏لِمَنِ اتقى‏}‏ الله في حجه لأنه الحاج في الحقيقة ‏{‏واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏204‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ‏(‏204‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا‏}‏ ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده ‏{‏وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ‏}‏ أنه موافق لقوله ‏{‏وَهُوَ أَلَدُّ الخصام‏}‏ شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وهو الأخْنَسُ بن شريق كان منافقا حلو الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم يحلف أنه مؤمن به ومحبّ له فَيدْنَي مَجلِسهُ فأكذبه الله في ذلك ومر بزرع وحُمُرِ لبعض المسلمين فأحرقه وعقرها ليلاً كما قال تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏205‏]‏

‏{‏وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ‏(‏205‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا تولى‏}‏ انصرف عنك ‏{‏سعى‏}‏ مشى ‏{‏فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل‏}‏ من جملة الفساد ‏{‏والله لاَ يُحِبُّ الفساد‏}‏ أي لا يرضى به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏206‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏206‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله‏}‏ في فعلك ‏{‏أَخَذَتْهُ العزة‏}‏ حملته الأنَفَةُ والحمية على العمل ‏{‏بالإثم‏}‏ الذي أمر باتقائه ‏{‏فَحَسْبُهُ‏}‏ كافيه ‏{‏جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد‏}‏ الفراش هي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏207‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ‏(‏207‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى‏}‏ يبيع ‏{‏نَفْسَهُ‏}‏ أي يبذلها في طاعة الله ‏{‏ابتغاء‏}‏ طلب ‏{‏مَرْضَاتِ الله‏}‏ رضاه، وهو ‏(‏صهيب‏)‏ لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله ‏{‏والله رَءوفٌ بالعباد‏}‏ حيث أرشدهم لِمَا فيه رضاه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏208‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏208‏)‏‏}‏

ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام ‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم‏}‏ بفتح السين وكسرها الإسلام ‏{‏كَافَّةً‏}‏ حال من ‏(‏السلم‏)‏ أي في جميع شرائعه ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات‏}‏ طرق ‏{‏الشيطان‏}‏ أي تزيينه بالتفريق ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ بيِّن العداوة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏209‏]‏

‏{‏فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏209‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِن زَلَلْتُمْ‏}‏ ملتم عن الدخول في جميعه ‏{‏مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات‏}‏ الحجج الظاهرة على أنه حق ‏{‏فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ‏}‏ لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ في صنعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏210‏]‏

‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏210‏)‏‏}‏

‏{‏هَلْ‏}‏ ما ‏{‏يَنظُرُونَ‏}‏ ينتظر التاركون الدخول فيه ‏{‏إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله‏}‏ أي أمره كقوله‏:‏ ‏{‏أو يأتي أمر ربك‏}‏ ‏[‏33‏:‏ 16‏]‏ أي عذابه ‏{‏فِي ظُلَلٍ‏}‏ جمع ‏(‏ظلة‏)‏ ‏{‏مِّنَ الغمام‏}‏ السحاب ‏{‏والملائكة وَقُضِىَ الأمر‏}‏ تمَّ أمر هلاكهم، ‏{‏وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور‏}‏ بالبناء للمفعول ‏[‏تُرجَع‏]‏ والفاعل ‏[‏تَرجِع‏]‏ في الآخرة فيجازي كلا بعمله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏211‏]‏

‏{‏سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏211‏)‏‏}‏

‏{‏سَلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏بَنِى إسراءيل‏}‏ تبكيتاً ‏{‏كَمْ ءاتيناهم‏}‏ ‏(‏كم‏)‏ استفهامية معلقة ‏(‏سل‏)‏ عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتينا ومميزها ‏{‏مّنْ ءَايَةٍ بَيّنَةٍ‏}‏ ظاهرة كفلق البحر وإنزال المنّ والسلوى فبَّدلوها كفراً ‏{‏وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله‏}‏ أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية ‏{‏مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ‏}‏ كفراً ‏{‏فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب‏}‏ له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏212‏]‏

‏{‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏212‏)‏‏}‏

‏{‏زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ من أهل مكة ‏{‏الحياوة الدُّنْيَا‏}‏ بالتمويه فأحبوها ‏{‏وَ‏}‏ هم ‏{‏يَسْخَرون منا لذين ءَامنُواْ‏}‏ لفقرهم كبلال وعمار وصهيب أي يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال ‏{‏والذين اتقوا‏}‏ الشرك وهم هؤلاء ‏{‏فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة والله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ أي رزقاً واسعاً في الآخرة أو الدنيا بأن يُمَلِّك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏213‏]‏

‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏213‏)‏‏}‏

‏{‏كَانَ الناس أُمَّةً واحدة‏}‏ على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض ‏{‏فَبَعَثَ الله النبيين‏}‏ إليهم ‏{‏مُبَشّرِينَ‏}‏ من آمن بالجنة ‏{‏وَمُنذِرِينَ‏}‏ من كفر بالنار ‏{‏وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب‏}‏ بمعنى الكتب ‏{‏بالحق‏}‏ متعلق ‏(‏بأنزل‏)‏ ‏{‏لِيَحْكُمَ‏}‏ به ‏{‏بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ‏}‏ من الدين ‏{‏وَمَا اختلف فِيهِ‏}‏ أي الدين ‏{‏إِلاَّ الذين أُوتُوهُ‏}‏ أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض ‏{‏مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البينات‏}‏ الحجج الظاهرة على التوحيد ‏(‏ومن‏)‏ متعلقة ‏(‏باختلف‏)‏ وهي وما بعدها مقدّم على الاستثناء في المعنى ‏{‏بَغِيّاً‏}‏ من الكافرين ‏{‏بَيْنَهُمْ فَهَدَى الله الذين ءَامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ‏}‏ للبيان ‏{‏الحق بِإِذْنِهِ‏}‏ بإرادته ‏{‏والله يَهْدِى مَن يَشَاءُ‏}‏ هدايته ‏{‏إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ طريق الحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏214‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ‏(‏214‏)‏‏}‏

ونزل في جَهْدٍ أصاب المسلمين ‏{‏أَمْ‏}‏ بل أ ‏{‏حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا‏}‏ لم ‏{‏يَأْتِكُم مَّثَلُ‏}‏ شبه ما أتى ‏{‏الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم‏}‏ من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا ‏{‏مَسَّتْهُمْ‏}‏ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها ‏{‏البأساء‏}‏ شدّة الفقر ‏{‏والضراء‏}‏ المرض ‏{‏وَزُلْزِلُواْ‏}‏ أُزعجوا بأنواع البلاء ‏{‏حتى يَقُولَ‏}‏ بالنصب والرفع أي قال ‏{‏الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ‏}‏ استبطاء للنصر لتناهي الشدّة عليهم ‏{‏متى‏}‏ يأتي ‏{‏نَصْرُ الله‏}‏ الذي وُعِدْناه فأجيبوا من قبل الله ‏{‏أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ‏}‏ إتيانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏215‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏215‏)‏‏}‏

‏{‏يَسْئَلُونَكَ‏}‏ يا محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏مَاذَا يُنفِقُونَ‏}‏ أي الذي ينفقونه والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخا ذا مال فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا ينفق وعلى من ينفق‏؟‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ‏}‏ بيان ل «ما» شامل للقليل والكثير وفيه بيان المُنْفَق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله‏:‏ ‏{‏فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ أي هم أولى به ‏{‏وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ‏}‏ إنفاق أو غيره ‏{‏فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ‏}‏ فمجاز عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏216‏]‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏216‏)‏‏}‏

‏{‏كتاب‏}‏ فرض ‏{‏عَلَيْكُمُ القتال‏}‏ للكفار ‏{‏وَهُوَ كُرْهٌ‏}‏ مكروه ‏{‏لَّكُمْ‏}‏ طبعاً لمشقته ‏{‏وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ‏}‏ لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال- وإن كرهتموه- خيراً لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر وفي تركه- وإن أحبتموه- شراً لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر ‏{‏والله يَعْلَمُ‏}‏ ما هو خير لكم ‏{‏وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏217‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏217‏)‏‏}‏

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أوّل سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل ‏{‏يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام‏}‏ المحرم ‏{‏قِتَالٍ فِيهِ‏}‏ بدل اشتمال ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم ‏{‏قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ‏}‏ عظيم وزراً مبتدأ وخبر ‏{‏وَصَدٌّ‏}‏ مبتدأ منع للناس ‏{‏عَن سَبِيلِ الله‏}‏ دينه ‏{‏وَكُفْرٌ بِهِ‏}‏ بالله ‏{‏وَ‏}‏ صدّ عن ‏{‏مّنَ المسجد الحرام‏}‏ أي مكة ‏{‏وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ‏}‏ وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وخبر المبتدأ ‏{‏أَكْبَرُ‏}‏ أعظم وزراً ‏{‏عِندَ الله‏}‏ من القتال فيه ‏{‏والفتنة‏}‏ الشرك منكم ‏{‏أَكْبَرُ مِنَ القتل‏}‏ لكم فيه ‏{‏وَلاَ يَزَالُونَ‏}‏ أي الكفار ‏{‏يقاتلونكم‏}‏ أيها المؤمنون ‏{‏حتى‏}‏ كي ‏{‏يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ‏}‏ إلى الكفر ‏{‏إِنِ استطاعوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولئك حَبِطَتْ‏}‏ بَطَلَتْ ‏{‏أعمالهم‏}‏ الصالحة ‏{‏فِى الدنيا والأخرة‏}‏ فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقييد بالموت عليها يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلاً، وعليه الشافعي ‏{‏وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏218‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏218‏)‏‏}‏

ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل ‏{‏إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ‏}‏ فارقوا أوطانهم ‏{‏وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله‏}‏ لإعلاء دينه ‏{‏أولئك يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله‏}‏ ثوابه ‏{‏والله غَفُورٌ‏}‏ للمؤمنين ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بهم‏.‏